يوميات ماليزية من أرض الحدث : (5) في وداع شاطئ البحر !

التاريخ : 4/11/2011م

المكان : صالة الإفطار في فندق هارد روك

الوقت : 9:50 صباحاً

أقف في منتصف المطعم المخصص للانتظار ، أقوم بعملية تحليل بصرية على الطاولات المنتشرة في المكان ، أنتظر قليلاً لتخبرني النتيجة بأن جميع الطاولات مشغولة ، بقي على انتهاء موعد الإفطار قرابة نصف ساعة وعلى ما يبدو أن الجميع هرع مثلي لكي يقتنص نصيبه من إفطار اليوم ، لا بأس سأجلس على الطاولات الخارجية ، ولكن سأضع طفلتي على كرسيها أولاً قبل أن أبدأ في عملية ملء طبقي بما في الصالة من خيرات.


المكان : شاطئ فندق البيفيو بيتش

الوقت : 10:40 صباحاً

- لا حاجة للجولات السياحية في هذا اليوم

هكذا كان حال لساننا جميعاً ونحن نسير إلى شاطئ فندق البيفيو بيتش

لقد اضطررنا أن نذهب إلى هناك رغبة في إعادة تجربة الطيران في الهواء ، وكذلك لأن المشرف على الأنشطة البحرية أمام فندق الهارد روك تأخر على ما يبدو بالحضور ، والمسافة ليست بعيدة ، فهما ملتصقان ببعضها البعض ويطلان على شاطئ واحد ، وهذا ما يميز شاطئ الباتو فرينجي ، فعليه تقع عدة فنادق لا توجد بينهما حواجز بين كل فندق وفندق ، وهذا لا يعني انعدام الأمان ، ففي كل فندق يوجد حارس أمن وظيفته إيقاف أي عملية تسللية أو تخريبية .

بالأمس عندما كنا نتجول بين الأماكن السياحية في بينانج ، كنا صوتنا داخل الحافلة يعلو كثيراً ما بين قهقهة أو صراخ ساخر ، وقبل أن ننهي جولتنا أردت من باب الذوق أن أعتذر من السائق  ، والذي كان من الجنسية الهندية ، على ما سببناه له من إزعاج ، فما كان من إلا أن يقول :

- لا عليك يا سيدي ، أنتم العرب مثلنا ، تميلون إلى الطابع الاجتماعي ، وتتفاعلون مع بعضكم البعض بأصواتكم وأياديكم ، وذلك أمر رائع يعطيني إحساساً بأني قد وفقت بإسعادكم في هذه الجولة . يا سيدي لقد عملت لفترة أتجول بالأوروبيين في إنحاء الجزيرة ، لقد كان الأمر مملاً فهم لا يتحدثون إلا لماماً ، حتى أطفالهم هادئون جداً ويعطوني انطباعاً سيئاً بأن ما في الجزيرة لا يستحق الاكتشاف ، لكني أصدقك القول بأني لم أتوقف عن التعامل معهم بسبب ذلك ، ولكن لأنهم لا تستهويهم الجولات السياحية وإن قرروا ذلك فغالباً لا تتجاوز الجولة من ساعة إلى ساعتين.

رغم تحفظي على بعض ما ذكر من اختلافات بيننا وبين السياح الأوروبيين ، إلا أنه أصاب من ناحية قلة تواجد الأوروبيين في المزارات السياحية مقارنة بأعدادهم في الفنادق والمنتجعات في الجزيرة ، ولأننا نحن العرب والخليجيين أتينا من مناطق صحراوية لا طبيعة فيها ، فإن مشاهدة الطبيعة الشجرية والنهرية أشبه بقطرة الشفاء في أعيننا المتورمة من منظر الصحاري والقفار ، والأوروبيون يجدون بدورهم في شواطئي المنتجعات والفنادق بأجوائها الاستوائية الرطبة منفذاً للهروب من برد شتائهم القارص .

رغم ذلك ، ما زال أمامنا أيام لنكحل أعيننا بالطبيعة الآسيوية الخلابة ، أما شاطئ بينانج الساحر فسنودعه غداً عندما سنذهب إلى العاصمة الماليزية غداً ، لذلك سأحاول الآن أن أقضي مزيداً من الوقت هنا على الشاطئ كما حصل الاتفاق ، وسأطحن كما يقول المثل الدارج “الحبة” التي نمت منذ سنة في رأسي ! .


المكان : داخل غرفتي في فندق الهارد روك

الوقت : 5:00 مساءً

أشعر بأن كلتا يدي هزيلة لا أستطيع رفعهما ، لقد أرهقني “دراجة البحر الكهربائية” ، لقد بالغت في عملية قيادتها ، إذا لم أترك أي حركة بهلوانية مضحكة لم أؤديها أمام عائلتي ، والنتيجة الآن أني يدي تبكي ألماً .

يرن هاتف الغرفة ، فأجذبه بصعوبة :

- صاحي ولا نائم ؟

- ما بين وبين !

- ما تبغونا نتغذى ؟

- خلاص دقائق وننزل لكم .

أغلق السماعة فيختفي صوت شقيقي ، أنهض بتكاسل ، وأتناول جهاز الآيباد ، أفتح المتصفح على موقع قوقل ، أكتب بضع كلمات فتظهر لي عدة نتائج ، أشاور زوجتي في الذهاب إلى المكان الذي ظهر لي من نتيجة البحث ، تبدي بدورها تفاعلها مع المكان ، أضغط على الزر الصغير في أعلى جهاز “الأيباد” فيأتيني صوت إغلاقه “تك”.

أتخير شيئاً من ما لدي من ملابس وأبدأ بتجهيز نفسي للذهاب إلى مجمع برانقين مول أسفل برج كومتار ، فهي فرصة للغداء في أحدى مطاعم الوجبات السريعة وهي فرصة كذلك لممارسة هواية التجول في المراكز التجارية ، خصوصاً وأن السوق الليلي الممتد على طول شارع الباتو فرينجي قد قمنا بالسير عليه على الطريقة القذافية ! ، خطوة خطوة ، وشبراً شبراً ، بل وحتى زنقة زنقة ! .


المكان : في طريق العودة من برج كومتار إلى فندق الهارد روك

الوقت : 9:20 مساءً


تأخذ زوجتي بحاسة بصري بعدما تفاعلت مع عبارتها حاسة سمعي إلى صوب علم منصوب على أحد الأماكن في شوارع المدينة .

- هل ذلك علم بريطاني ، لم أراها جيداً ، لقد سارت الحافلة بعيداً عنه الآن

- نعم ، كان علم لبريطانيا ، كيف يرتضون على أنفسهم أن ينصبون هنا علم دولة استعمرت أرضهم وأكلت من خيراتهم وعذبت شعبهم فترة من الزمن ؟

يهز كياني هذا السؤال ويبقيني في ذهول ، سأطلب من عقلي أن يسعفني بإجابة سريعة ، ولكن مهلاً أشعر به يعاني من حرب داخلية بين ما هو واقع وما هو مفترض ، سيل من القصص التاريخية تحاول أن تجعله يتعاطف مع السؤال في سبيل الوقوف ضد واقع الصداقات الماليزية البريطانية الحالية .

لقد نصب البريطانيون أنفسهم أولياء على ماليزيا إلى فترة ليست بالبعيدة ، فصحيح أنهم لم يفرضوا سلطتهم الاستعمارية سوى على بينانج وملقا وسنغافورة ، إلا أنهم لم يتركوا لبقية سلاطين الولايات الأخرى الحرية التامة في حكم الأراضي التي تتبع لهم ، حيث أمتد نفوذ إليها عن طريق معاهدات مع سلاطينها حيث أصبحوا يخضعون للإدارة البريطانية ، ومورست عملية التقسيم بفطنة وذكاء ، حيث شكل اتحاد بين ولايات كل من “بيرق” و”سلانغور” “ونيغري سميلان” و”باهانغ” وأصبح للاتحاد حكومة مركزية يشرف عليها مقيم بريطاني واحد ، وشكل كذلك ما عرف باتحاد الملايو بين “كلانتان” و”تريناغو” و”بيرلس” و”قدح” وعين على كل ولاية مستشار بريطاني وفي هذا الاتحاد كان لكل ولاية سيادتها الخاصة وتخضع تحت حكم سلطانها ، أما ولاية “جوهور” فبقيت وحيدة دون إتحاد يربطها ببقية الولايات إذا أن سلطانها قبل أن تكون الولاية محمية بريطانية ، وفي الطرف الآخر مما يعرف بجزيرة برونيو ، كانت”صباح” و “سرواك” التي تقع بينهما سلطنة بروناي الحالية ، كنتا كذلك محميات بريطانية .

لا أدري هل للتاريخ ممحاة خاصة وقلم خاص يسهل علينا أن نعيد كتابة ما مضى بشكل يجعلنا نستطيع أن نتعايش مع الحاضر بغير تعقيدات ، أم أننا يجب أن نشكر أعدائنا ونبني معهم علاقات حسنة لأنهم ساعدونا على لملمة صفوفنا وعلى توحيد كلمتنا تماماً كما استطاعت ماليزيا أن توحد ما بين ولايات الملايو القريبة من بعضها البعض بعد أن سئم أهلها من وطأة الاستعمار فجنحوا إلى الإتحاد السلمي .

كم كبير من الأسئلة المنفعلة والحيرة الشديدة تدور حول رأسي الآن ، هل ينبغي على الماليزيين أن يقطعوا العلاقات مع بريطانيا ويناصبونها العداء ؟ :

- حسناً يا زوجتي ، لنضع قضية الحديث عن علاقات المودة والمحبة المزعومة بين الدول فتلك أحاديث من لغو الكلام الذي لا ينبغي السماع له ، ولكن إذا كان المنطق العاطفي يرى أن تقطع العلاقات بين ماليزيا فأنه من باب أولى أن تقطع العلاقات مع أقرب دولة منها ، من اليابان ، فخلال الحرب العالمية الثانية قدموا إلى ماليزيا لمقاتلة البريطانيين وزحفوا بأسلحتهم وبنادقهم إلى أن وصلوا مدينة كوالالمبور وجعلوا شوارعها تتخضب بالدماء المالاوية ، باختصار لو أرادات كل دولة أن تناصب العداء لأي دولة أخطأت بحقها ، لما أصبح العالم كما نعرفه اليوم قرية واحدة ، وهنا تكمن السياسة ، أن يعيش العالم بمظهر ضاحك ومخبر غاضب ! .


المكان : داخل غرفتي في فندق الهارد روك

الوقت : 11:30 مساءً

يا الله ، كم أكره عملية ترتيب الحقائب ، لو أنني أتحلى بقليل من التنظيم لما أحدثت مثل هذه الفوضى في ما أحضرت من ملابس ، سأحاول أن أنهي حزم الحقائب قبل النوم استعداداً للسفر إلى كوالالمبور غداً ، ثم أنه من غير العادل أن أجعل زوجتي توضب حقيبتي يكفيها ما تعانيه هي ، فالأطفال يحتاجون إلى تغير ملابسهم أكثر من مرة في اليوم ، وأمامها جهد لترتيب ملابس ابنتي .

سأخرج من الحقيبة بذلة شبه رسمية تناسب ذهابي إلى المطار بإذن الله ، ….. أمممم سروال السباحة ، لا أدري سأبقيه خارج الحقيبة ، ما زلت أشعر بأني لم أكتفي بعد من شاطئ الفندق ، سأترك هذا الأمر على حسب الظروف ، الأهم من ذلك أن انتهي من المصيبة العظيمة التي أمامي ، قاتل الله فوضويتي ! .

أخبر أصدقائك عن هذه التدوينة
  • Facebook
  • Twitter
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف يوميات ماليزية 2011. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>